الغرض من هذه الصفحة هونشر المعلومات والمناقشة العلمية للمهتمين بالصحة العامة في مصر وصلتها بالتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية. وعند القيام بذلك، تلتزم هذه الصفحة أن تتخذ موقفا محايدا وتعرض وجهات النظر كافة على قدم المساواة. الاعمال المقدمة في هذه المدونة تم تقديمها بناء علي أراء عدة خبراء في مجالاتهم.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 9 مارس 2012

الحاجة إلى خطة انتقالية لتحقيق التغطية الشاملة بالخدمات الصحية

أصبح من الواضح أن المرحلة التى تمر بها مصر اليوم تقع على عاتق الحكومة الانتقالية إلى أن تأتى حكومة منتخبة تتولى زمام الأمور. ويصعب خلال هذه المرحلة تحديد دور وزير الصحة؛ وفى حال ما تم تحديده, سوف تقف العديد من التحديات فى طريق القيام بهذا الدور. وفى مقال سابق,  تم تلخيص الدور الذى يمكن أن يلعبه وزير الصحة خلال المرحلة الانتقالية فى: 1) بث روح الثقة فى فريق العمل بالقطاع الصحى, 2) استعادة ثقة الشعب في إدارة القطاع الصحى, 3) تمهيد الطريق لموجة ثالثة من الإصلاح الصحى. وفى كل الأحوال وبعد موجتين تجريبيتين للإصلاح الصحى, فمن المرجح أن تقوم الحكومة المنتخبة القادمة بالشروع فى الموجة الثالثة وإرساء قواعد النظام الصحى الذى يتلاءم مع احتياجات وقدرات عامة الشعب المصرى, ليحل بذلك محل النظام الراهن التعددى والمفتت الذى أخفق فى تحقيق هدفين أساسيين من أهدافه: 1) الحماية المالية, 2) رضاء الجمهور, مع الأخذ فى الاعتبار أن مصر تحرز تقدما ملموسا نوعا ما تجاه الأهداف الألفية الإنمائية المرتبطة بالصحة.
وسوف يكون هناك احتياج إلى مرحلة أطول لتحقيق التغطية الشاملة التى تقوم على نظام صحى رئيسى يقود (أو بالأحرى يهيمن على) عملية تمويل وتقديم الخدمات الصحية. وكما استعرضنا فى أحد المقالات السابقة,  فمن المتوقع أن يكون هذا النظام أحد خيارين:

1)  نظام تأمين صحى اجتماعى يعتمد بشكل أكبر على العوائد الضريبية ويوظِّف فى نفس الوقت بعضا من الخصائص المالية لنظام التأمين القائم على الضرائب. وفى هذه الحالة سوف يعتمد تمويل التأمين الصحى الاجتماعى على اشتراكات المواطنين القادرين على تحمل المساهمات المطلوبة, بجانب الدعم الحكومى -الجزئى أو الكلى- لأقساط المواطنين غير القادرين على السداد. ومن المتوقع أن يكون مصدر هذا الدعم الإيرادات العامة للدولة وأن يكون مبنيا على الضرائب, ويفضل ألا يعتمد ذلك على الضرائب الموجهة (المخصصة لغرض ما). وسيكون هذا التوجه بمثابة استكمال المسار الطبيعى للموجة الثانية من الإصلاح التى تمت بشكل تجريبى فى محافظة السويس.
ومن المرجح أن يتم توسيع مظلة التغطية بالخدمات على نحو تدريجى كما أوضحنا فى مقال سابق. وترتكز سرعة عملية التوسع على قدرة مصر على مواجهة التحديات -التى ناقشناها أيضا فى أحد مقالاتنا السابقة- والتى تتمثل فى: 1) القدرة على التعافى من الهزات الارتدادية التى تلت ثورة الخامس والعشرين من يناير, واستعادة معدلات النمو العالية التى سبقت الثورة, والارتقاء بمستوى الدخل الإجمالى القومى؛ 2) القدرة على خلق فرص عمل يتوافر فيها عنصر الحماية من خلال ترسيخ ودعم أسس القطاع الرسمى؛ 3) القدرة على توسيع حدود المناطق الحضرية؛ 4) القدرة على مأسسة نظام فعال لإدارة التأمين الصحى؛ 5) مستوى الفقر وإرادة المجتمع تجاه دعم الخدمات المقدمة للفقراء؛ 6) امتلاك شبكة واسعة وجيدة لتقديم الخدمات؛ 7) القدرة على التنظيم.
وسوف تكون هناك أيضا العديد من العوامل الإضافية المحورية ذات الصلة بمصر ومسارها التاريخى تجاه تحقيق التغطية الشاملة, مثل مستويات الرواتب. وتتوقف اشتراكات أصحاب العمل والعاملين على مرتباتهم الأساسية؛ ولكن حالما يتم حساب تلك الاشتراكات على  أساس إجمالى المرتب (أساسى ومتغير), لن يجد العامل نفسه مطالبا فقط بسداد اشتراكات أعلى بكثير من التى يدفعها, وإنما سوف يجد صاحب العمل هو الآخر نفسه مطالبا بتحمل عبء أكبر من المصروفات. وفى الكثير من الحالات يتمثل صاحب العمل فى الحكومة, مما يتسبب فى إلقاء المزيد من الأثقال على ميزانيتها المتواضعة جدا. وفى بعض الحالات الأخرى يتمثل صاحب العمل فى القطاعين العام والخاص, واللذان سوف يُحمِّلان بدورهما العبء على أسعار المنتجات, الأمر الذى قد يتسبب فى زيادة حجم التضخم, وربما يدفع أيضا بعض الشركات الصغيرة لارتداء عباءة القطاع غير الرسمى كوسيلة للتملص من دفع مساهمات تأمينية أعلى.

2)   نظام صحى وطنى يعتمد على الضرائب ويدار بشكل مباشر عن طريق شبكة تقديم الخدمات ليتحول إلى نموذج تعاقدى بين مشترى الخدمة ومقدمها. وفى هذه الحالة سوف يعتمد النظام الصحى الوطنى فى تمويله على الإيرادات العامة. وهناك احتمال كبير أن يقوم هذا النظام بإعلان التغطية الشاملة على المستوى القومى فى مرحلة مبكرة عن النظام القائم على التأمين الصحى الاجتماعى. إلا أن هذا قد يبدو غير عملى على أرض الواقع, حيث إن التغطية الشاملة سوف تحدث على مراحل فى كلا النظامين, وبالتالى ستكون النتائج واحدة تقريبا. ويكمن التحدى فى أن النظام الصحى الوطنى سوف يتطلب المزيد من الأموال الحكومية لحل محل المساهمات الخاصة بالعاملين وأصحاب العمل, الأمر الذى سيساهم فى تيسير عملية التمويل. ويعنى هذا أنه سوف يتعين على الحكومة تخصيص ميزانيات إضافية من الإيرادات العامة.

وفيما يتعلق بالجانب الإيجابى, حسبما أشارت إليه بعض المزاعم, سوف يتطلب النظام الصحى الوطنى نفقات أقل, ويثمر عن نتائج صحية أفضل نظرا لقدرته على التكامل مع برامج الصحة العامة, كما سيتطلب فى ذات الوقت هياكل تنظيمية أقل تعقيدا لسريان النظام, وسيكون أقل تأثيرا على سوق العمل من التأمين الصحى الاجتماعى. يضاف إلى ذلك أن هذا هو النظام الذى قد تفضل وزراة الصحة العمل بموجبه على اعتبار قربه من طريقة تفكير الوزارة, بجانب إلمام فريق العمل الصحى بآليات تقديم الخدمات التى يتضمنها ذلك النظام. على الناحية الأخرى, ربما يشعر الناس بارتياح أكثر للعمل بهذا النظام استنادا إلى أنه لن يتطلب منهم دفع اشتراكات بصورة مباشرة, إلا فى حالة تطبيق آلية المساهمة فى الاشتراكات ورسوم الانتفاع بالخدمة.

وربما يساعد تطبيق نموذج التعاقد بين مشترى الخدمة ومقدمها, فى إطار النظام الصحى الوطنى, على حل الكثير من المشاكل المتأصلة فى هذا النظام فى حال دعمه بمعايير جودة ومجموعة تنظيمات تتسم بالقوة, وخاصة فيما يتصل بأداء النظام ورضاء العملاء عنه. وسوف تمثل آليات الدفع (المادى) مقابل الأداء سمة أساسية فى عملية محاسبة مقدمى خدمات الصحة العامة على حسب أداءهم. وعلى نفس النحو, سيمثل التعاقد مع المنظمات الأهلية غير الهادفة للربح, والتى تتميز بإمكانية الوصول للجمهور وتقديم الرعاية الصحية الثانوية, سمة أساسية أخرى فيما يخص التعاقد المبنى على الأداء.

وفى كلتا الحالتين, المشار إليهما أعلاه, لابد من وضع خطة انتقالية واضحة المعالم قبل البدء فى اتخاذ أى خطوات تنفيذية. وقبل هذا يتعين على الحكومة ومجلس الشعب اتخاذ قرار مستنير وواضح بشأن النظام الصحى الذى سوف تتبناه مصر. ومن المتوقع ألا تقوم الحكومة الانتقالية بالشروع فى أى من النظامين قبل عرضهما للمناقشات الموسعة بين فريق العمل الصحى والمواطنين الذين سوف يتحملون تبعات مثل هذا القرار المصيرى, التى من بينها الالتزام بدفع المساهمات المنصوص عليها, والتى ربما تقتضى التضحية بأولويات حياتية أخرى.

ولنا حديث آخر...

هذا المقال سبق نشره باللغة الانجليزية في 25 ديسمبر 2011 علي الرابط التالي وقد قام بترجمته الاخ العزيز محمد دوبان وله جزيل الشكر علي المجهود الرائع.



الجمعة، 2 مارس 2012

الانتقال نحو موجة ثالثة من إصلاح القطاع الصحى المصرى

بدأ القطاع الصحى المصرى, عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير, مرحلة انتقالية جديدة يصعب تحديد المدى الزمنى التى ستستغرقه. فمنذ ذلك الحين تَقلد منصب وزير الصحة والسكان ثلاثة وزراء دون أن يكون هناك رضا لعامة الشعب أو فريق العمل بالقطاع الصحى على أى منهم، مما يشكل تحديا بالغا فى مواجهة من سيناط به قيادة المرحلة الانتقالية. ويرجع السبب وراء حالة عدم ارضا السائدة إلى ارتفاع سقف الطموحات والافتقار إلى خارطة طريق لأهم الأولويات التى ينبغى التركيز عليها, إضافة إلى غياب المؤشرات التى من دونها لا يمكن قياس مدى التقدم الذى سوف تثمر عنه المرحلة الانتقالية.

ومن المتوقع أن يلى المرحلة الانتقالية موجة ثالثة من الإصلاح الصحى؛ غير أن افتقاد الرؤية الاستراتيجية لهذه الموجة المحتملة من شأنه أن يعرقل المساعى المبذولة لتصميم وتنفيذ عملية التحول. وتظهر بوادر تلك الموجة فى الأفق إذا ما طالعنا تاريخ الإصلاح الصحى فى مصر, والذى يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مراحل:

1)     مرحلة ما قبل الإصلاح (قبل عام 1997): ركزت على تحسين النتائج المرتبطة بصحة الأمهات والأطفال, إضافة إلى الخصوبة.
2)     الموجة الأولى من الإصلاح (1997 – 2005): ركزت على التغطية الشاملة بالخدمات الصحية عن طريق نظام صحى قومى.
3)     الموجة الثانية (2006 – 2010): ركزت على توسيع مظلة التغطية الشاملة بالخدمات من خلال التأمين الصحى الاجتماعى.
مرحلة ما قبل الإصلاح
دار محور تركيز هذه المرحلة حول تحسين نتائج البرامج الرأسية المعنية بالخصوبة ورعاية الأمومة والطفولة, والتى يتم تنفيذها على مستوى الرعاية الصحية الأولية. واستهدفت الجهود الرامية إلى رفع الكفاءة خلق حالة من التكامل بين خدمات صحة الطفل على مستوى الرعاية الأولية؛ وأيضا استرداد التكاليف على مستوى المستشفيات. بينما ركزت الجهود الرامية إلى الحماية والتغطية الشاملة على توسيع مظلة التأمين الصحى (بشكل إجبارى للأطفال فى سن الدراسة واختيارى لما دون ذلك السن).
الموجة الأولى من الإصلاح
بغض النظر عن التصميم الأصلى, تبنت هذه الموجة نموذج "النظام الصحى القومى" لتحقيق التغطية الشاملة على نحو تجريبى فى خمسة محافظات. وأخذت حينئذ وزارة الصحة بزمام الأمور لما لها من إلمام بالنظام الصحى القومى, إضافة إلى كون عملية الإصلاح امتدادا طبيعيا للدور الأصلى الذى تلعبه الوزارة. على الجانب الآخر, لم يتم إشراك الهيئة العامة للتأمين الصحى بشكل كبير فى عملية الإصلاح واستمرت فى أداء المهام الأساسية الموكلة إليها, فى حين أنه كان من المتوقع أن تخوض هى الأخرى نفس العملية. وشهدت هذه المرحلة إدخال: 1) خدمات صحة الأسرة ونظام اعتمادها؛ 2) التخطيط القائم على احتياجات المنشآت الصحية؛ 3) نظام الدفع (المادى) مقابل الأداء, بشكل جزئى, بالاعتماد على صناديق صحة الأسرة كمحاولة لفصل عملية تقديم الخدمات عن إدارتها. ومما لا شك فيه أن تدريب القوى العاملة والجودة لعبا دورا محوريا فى زيادة الطلب على الخدمات, غير أن الرسوم المالية المفروضة على العملاء مقابل الخدمة لعبت دورا عكسيا فى هذا الصدد.
الموجة الثانية من الإصلاح
تبنت هذه الموجة نموذج "نظام التأمين الصحى الاجتماعى" لتحقيق التغطية الشاملة بصفة تجريبية فى محافظة واحدة. وجرت عملية التصميم خلال تطور مراحل التنفيذ مع بعض التحفظ تجاه توسيع نطاق التغطية. واعتمد هذا التحول الواضح من "النظام الصحى القومى" إلى "نظام التأمين الصحى الاجتماعى" على ورقة سياسات قام بإعدادها الحزب الوطنى الديمقراطى السابق, والتى تلاها إعلان رئاسى فى محافظة سوهاج فى  2005. وأجبر هذا التحول وزارة المالية للقيام بدور الشريك صاحب القرارات المؤثرة خلال هذه المرحلة. كما قامت الهيئة العامة للتأمين الصحى, على نحو جزئى, بإدارة هذه المرحلة التى شهدت بعض العقبات للوصول إلى توافق جماعى والاعتراف بالحاجة إلى المزيد من الدراسات لاستيضاح الآثار المالية للتأمين الصحى الاجتماعى على الميزانية. ومما يدعو  للأسف أنه مع مضى الوقت تم إسقاط العديد من السمات والملامح التى أوجدتها الموجة الأولى من الإصلاح.
الانتقال\التحول
تمر مصر الآن بالمرحلة الانتقالية التى تسبق الموجة الثالثة من الإصلاح. وقد يكون من الحكمة وضع مجموعة من الأهداف المتواضعة (الواقعية) التى يمكن تحقيقها خلال هذه المرحلة بدلا من محاولة إصلاح النظام برمته أو تمرير قوانين مصيرية مثل التأمين الصحى الاجتماعى. وقد يكون أيضا من الأهمية بمكان أن يتم التوصل إلى إجماع عام حول النظام الصحى الذى سوف يعكس قيم واحتياجات وقدرات المواطنين قبل انطلاق الموجة الثالثة. وفى هذا الصدد, يطرح السؤالين التاليين نفسهما
1)     هل هناك استعداد شعبى لتقبل فكرة أن الإصلاح سوف يستغرق وقتا أطول مما قد يتوقع؛ وهل هناك استعداد للتطبيق على مراحل مخططة بشكل واقعى بدلا من الإصلاح الشامل الذى يشبه العاصفة؟

لو كان الأمر كذلك,

2)     ما هو الحد الأدنى من الأولويات والأهداف التى تتطلبها مرحلة التحول, وكيف سيتم قياس نجاحها فى تحقيق الأهداف المخططة من عدمه؟
وهنا قد يمكننا القول بأن أولويتين أساسيتين تستحوذان على اهتمام المواطنين والعاملين بالقطاع الصحى خلال المرحلة الانتقالية:
أ‌)       القيادة\الإدارة\ الحوكمة ومكافحة الفساد
ب‌)   القوى العاملة بالقطاع الصحى

وسوف تحتاج هاتين الأولويتين إلى الدراسة والمزيد من التفصيل لضمان جدوى ونجاح إجراءات التنفيذ, إلى جانب وضع وزير الصحة قيد المساءلة العادلة والبناءة على مستوى الأداء خلال هذه المرحلة. ومن المتوقع أن يثمر التحسن الحاصل فى هذين النطاقين عن تحسن ملحوظ فى عملية تقديم الخدمات بالصورة التى تلقى قبول واستحسان الجموع العريضة من المواطنين.

ولنا حديث آخر...

هذا المقال سبق نشره باللغة الانجليزية في 25 نوفمبر 2011 علي الرابط التالي وقد قام بترجمته الاخ العزيز محمد دوبان وله جزيل الشكر علي المجهود الرائع.


السبت، 18 فبراير 2012

هل التأمين الصحى الاجتماعى نظام الرعاية الصحية الأفضل لمصر؟

طريق مصر نحو تأمين صحى اجتماعى – 7

فى الوقت الذى تسير فيه مصر على نحو جيد نسبيا تجاه خفض معدلات وفيات الأمهات والأطفال, وبينما تواجه ميزانيتها ضغوطا بالغة لتلبية المتطلبات المتنوعة التى ينادى بها المواطنون, وفى ظل بروز العديد من أوجه القصور التى يعانى منها النظام الصحى والتى يقف وراءها فى الأساس التفتت الحاصل فى عمليتى تمويل وتقديم الخدمات الصحية, وفى الوقت الذى تم فيه طرح مسودة قانون التأمين الصحى الاجتماعى على الجمهور للمناقشة فى مناخ ما بعد الثورة والذى قد يسمح بإعادة النظر فى الاستراتيجيات التى تم تصميمها فى مرحلة سابقة من مراحل الإصلاح الصحى.. بعد كل ذلك, وقبل اتخاذ أى قرار بشأن القانون  المقترح, قد يفرض هذا السؤال نفسه: هل ينبغى على مصر أن تتمسك بالتأمين الصحى الاجتماعى كاستراتيجية أساسية لتمويل النظام الصحى, أم أن هناك بديل أفضل يمكن اللجوء إليه أم التأمين الصحي الاجتماعي هو البديل الافضل؟ ترى هل فات الأوان لأن نطرح مثل هذا السؤال؟

تهدف الحكومات فى العادة إلى تحقيق تغطية شاملة بالخدمات الصحية للشعوب التى تحكمها, والشعوب بدورها عادة ما تطالب بنظام صحى يلبى احتياجاتها من حيث العيش فى حالة صحية أفضل, وتوافر الحماية المالية, وسرعة الاستجابة والشعور بالكرامة أثناء الحصول على الرعاية الصحية. وفى سبيل تحقيق هذا فى مصر, تم بذل الكثير من الجهود المتواصلة لإصلاح القطاع الصحى منذ 1997, إلا أن هذه الجهود لم تكترث كثيرا بدمج الجمهور المستهدف فى عملية الإصلاح.

 وإذا ما نظرنا فى صفحات الماضى, فقد يكون من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن معظم المساعى التى حدثت خلال الستين سنة الماضية لإصلاح القطاع الصحى بهدف تحقيق التغطية الشاملة انتهت بتطبيق أنظمة مختلطة ومفتتة لم ترقْ أبدا إلى ما يصبو إليه الشارع المصرى. وخلال مطالعتى لمختلف التقارير المحلية والدولية ذات الصلة, دائما ما صادفت هذه المقولة التى تصف النظام الصحى المصرى على أنه "نظام صحى تعددى يقوم على عدد من أنظمة تقديم الخدمات العامة والخاصة الموازية, فضلا عن العديد من الوسطاء الماليين". وقد باءت كل محاولات الإصلاح فى التعامل مع مسألة التعددية بالفشل – وينتهى الأمر فى العادة بنظام أكثر تشرذما فيما يخص جانب تقديم الخدمة أو تمويلها أو كلاهما معا, مما يفضى فى نهاية المطاف إلى نظام دون هوية.

وتعود نشأة حالة التفتت التى يشهدها النظام إلى عقود مضت, ربما تصل إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضى, حين صدر وقتها تشريعان موازيان لوضع أسس برنامج العلاج على نفقة الدولة (قرار رئاسى رقم 1754 لعام 1959 متبوعا بقرار رئاسى آخر يحمل رقم 1069 لعام 1964)؛ والتأمين الصحى الاجتماعى (قانون 75 لعام 1963 والمرسوم الرئاسى 1209 لعام 1964). وربما كان الهدف من وراء هذه القرارات هو محاولة تلبية طموحات الشعب المصرى فى رعاية صحية أفضل, إضافة إلى ترجمة نصوص الدستور -التى تقضى بوضع مسئولية تقديم الخدمات الصحية (دستور 1956) والتأمين الاجتماعى (دستور 1964) بما فى ذلك حق الصحة للجميع على كاهل الدولة- إلى واقع ملموس. وتلى هذا العديد من القرارات الأخرى التى نتج جراءها مزيدا من التفتت فى جانب تقديم الخدمة, مما أدى بدوره إلى توالد عدد من أنظمة تقديم الخدمات العامة والحكومية إلى جانب الأنظمة الموازية التى تعمل بها وزارة الصحة.

وهنا يطرح سؤال نفسه: لماذا يحدث كل هذا؟ وما هو النظام الأمثل لمصر – نظام صحة وطني يعتمد في تمويله على العوائد الضريبية أم نظام تأمين صحى اجتماعى يعتمد علي تمويله علي مساهمات منتفعيه؟

يدعم الفريق الذى يميل إلى النظام الصحي الوطني المعتمد على الضرائب وجهة نظره بثلاث نقاط:
1) التأمين الصحى الاجتماعى يقلل من رغبة الشركات فى الاستعانة بقدر وافر من العمالة, وبالتالى يساهم فى الحد من فرص التشغيل ويروج لأسواق العمل غير الرسمى.
2) غياب التغطية بالخدمات الصحية عن مجموعات معينة من المواطنين خلال الفترة ما بين إرساء أسس نظام التأمين الصحى الاجتماعى وتحقيق التغطية الشاملة, وهى الفترة التى غالبا ما تطول.
3) التفاوت بين حزم الخدمات المقدمة وجودتها عبر مختلف المجتمعات السكانية.
على الجانب الآخر, يؤيد الفريق المساند للتأمين الصحى الاجتماعى رؤيته بنقطتين:
 1)  التأمين الصحى الاجتماعى يعد أحد أهم المصادر الإضافية لتمويل النظام الصحى.
2)  بإمكان نظام التأمين الصحى الاجتماعى تقديم خدمات ذات جودة عالية وبتكلفة أقل من تلك المقدمة من خلال النظام المبنى على الضرائب, عن طريق الفصل بين عملية شراء الخدمة وتقديمها, وتشجيع التعاقد الانتقائى مع مؤسسات تقديم الخدمة (بما فيها القطاع الخاص).

وقد أظهرت الدراسات المعنية بالبحث فى أثر هذه الأنظمة على النتائج الصحية, فى البلدان التى تعمل بها منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية, أن الأنظمة الصحية القائمة على التأمين الصحى الاجتماعى
1) لديها بعض الخصائص المعينة التى قد تجعلها أكثر كُلفة من النظام القائم على الضرائب؛
2) لا تؤدي أفضل لتحسين النتائج الصحية المتوقفة على الرعاية الطبية بالرغم من احتمالية الإنفاق الزائد؛
3) قد لا تكون الافضل فى ما يتعلق بالنتائج الصحية التى تستلزم برامج صحة عامة مجتمعية قوية؛
4) قد تزيد الوضع سوءا فيما يتعلق بتحفيز أسواق العمل غير الرسمى وعدم تشجيع العمالة.

وتثير النتائج التى خرجت بها مثل هذه الدراسة الأسئلة التالية:
 1)    هل من الممكن أن نقوم بتطبيق نظام قد يكلف الدولة المزيد من الأموال دون أن يكون لذلك فى المقابل أثر إيجابى على النتائج الصحية, وخصوصا فى الوقت الذى لا تتحمل فيه الميزانية العامة أى أعباء إضافية؟ هل سيساهم هذا فى دعم عنصر الفعالية؟ أم أن هذا النظام سيكون مصدر رئيسي من مصادر تمويل الرعاية الصحية؟ 
2)     هل سيؤدي تطبيق النظام الي أن يزيد من حجم العمالة غير الرسمية فى حين يعيش ثلثى هذا الحجم دون حماية مالية أو اجتماعية؟ هل سيساهم هذا فى دعم عنصر الحماية؟
      3)     هل هناك أى مخاطر محتملة على الإنجازات القومية فى مجال الصحة العامة جراء تطبيق هذا النظام؟ وبما أن أنظمة التأمين الصحى الاجتماعى تركز فى الأساس على الأفراد, أو حتى الأسر, هل سيفقدنا هذا تركيزنا المُنصب على المجتمع بأكمله من خلال برامج الصحة العامة المعتمدة فى تمويلها على النظام المبنى على الضرائب؟ هل سيساهم هذا فى الوصول إلى نتائج صحية أفضل؟
يقودنا كل هذا إلى طرح السؤال التالى, علاوة على سؤالين إضافيين؟


  هل يمكن لمصر أن تقوم بتطبيق نظام مبتكر ينتقى مميزات النظامين المشار إليهما ويتجنب فى ذات الوقت عيوبهما؟

1)  هل يمكننا تحويل نظام صحة وطني مبنى على تمويل من الضرائب تديره بشكل مباشر شبكة تقديم خدمات صحية حكومية إلى نموذج تعاقدى بين مشترى للخدمة ومقدمها؟
فى ضوء هذا السيناريو, تقوم المنظمات المشترية للخدمة بالتعاقد مع جهات أخرى لتقديمها بدلا من إدارتها بشكل مباشر. ويمكن تطبيق هذا عن طريق انتهاج نموذج التأمين الصحى الاجتماعى الذى يفصل بين مشترى الخدمة ومقدمها, حيث تقوم المنظمات الشرائية بالتعاقد مع مؤسسات أخرى للقيام بعملية تقديم الخدمة بما فيها مؤسسات القطاع الخاص و الاهلي, وهو ما قد يساهم فى تحقيق نتائج صحية أفضل مقابل نفقات أقل. ولكن إلى أى مدى يمكن أن يحدث هذا دون المخاطرة بتكامل وتماسك برامج الصحة العامة؟  وتعد تجربة مصر فى إنشاء صناديق صحة الأسرة, والتى تعتبر بمثابة مؤسسات اقليمية للتأمين الصحى الاجتماعى تتلخص وظيفتها فى شراء الخدمة, أحد المحاولات التى تمت فى هذا الصدد. وقد استمر التساؤل حول ملكية هذه المؤسسات فترة طويلة بين وزارة الصحة والهيئة العامة للتأمين الصحى, غير أن هذه الشراكة لم تنجح فى بناء مؤسسة قومية يمكنها متابعة مثل هذه الهيئات اللامركزية المسماة بصناديق صحة الأسرة. فضلا عن ذلك, قامت وزارة الصحة بإنشاء مؤسسات تقديم خدمة تحت اسم "الإدارات المحلية لمقدمى الخدمة" على مستوى الإدارات الصحية لضمان تدفق أموال الصناديق عبر مؤسستها, والتى تفككت فى وقت لاحق بعدما اتجه النظام الصحى المصرى بشكل أكبر نحو التأمين الصحى الاجتماعى.


2)  هل يمكن لنظام التأمين الصحى الاجتماعى المعتد أساسا علي المساهمات أن يزيد من اعتماده على العوائد الضريبية ويلتقط بعضا من وظائف النظام القائم على التمويل من الضرائب؟

يبدو أنه من الممكن تطبيق هذا أيضا. وقد لاحظنا أن الإصدار الأخير من قانون التأمين الصحى الاجتماعى يحتوى على بعض المواد التى تحاول زيادة الموارد الضريبية للتأمين من خلال مصادر أخرى بجانب ضرائب الرواتب, بالرغم من اقتراح تطبيق آلية الضرائب المخصصة Earmarked Taxes (الموقوفة لصالح التأمين). وقد أثارت هذه التجربة الجديدة حالة من الجدل الممتد قبل وبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير, ومن الواضح أنها ستستمر لبعض الوقت. ومن الممكن أيضا أن يكون الربط بين التأمين الصحى وخدمات صحة الأسرة بمثابة القاعدة التى ستعمل على حماية وظائف الفحص الخاصة ببرامج الصحة العامة.

وفى النهاية, سوف يتعين على مجلس الشعب -بعد الدراسة المنهجية المتعمقة- أن يتخذ قرارا بشأن نظام الرعاية الصحية الذى سيتم العمل به وتمويله؛ مع الأخذ فى الاعتبار أن يتم اختيارالنظام الأقل تكلفة وأكثر قدرة على تحقيق النتائج الصحية المرجوة وتشجيع أسواق العمل والانتقال المرن عبر مراحل التغطية بالخدمات. بعد ذلك تقوم الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع القانون المتفق عليه فى حيز التنفيذ بالشكل الذى يرتقى إلى ما يتطلع إليه المواطن المصرى.

     ولنا حديث آخر...

     هذا المقال سبق نشره باللغة الانجليزية في 20 نوفمبر 2011 علي الرابط التالي وقد قام بترجمته الاخ العزيز محمد دوبان وله جزيل الشكر علي المجهود الرائع.






الاثنين، 26 ديسمبر 2011

نظرة تحليلية على التغطية الشاملة بالرعاية الصحية فى مصر

طريق مصر نحو تأمين صحى اجتماعى – 3

يمكن النظر بعين تحليلية إلى التغطية بالرعاية الصحية من ثلاثة أبعاد: 1) الاتساع, ويقصد به التغطية من حيث السكان؛ 2) العمق, ويقصد به التغطية من حيث الخدمات؛ 3) الارتفاع, ويقصد به التغطية من حيث الحماية المالية. من ثَم يمكن الحكم على نظام التغطية الشاملة بالفعالية فى حال ما أدرك الأبعاد الثلاثة تلك بشكل كامل, ممهدا الطريق إلى خدمات صحية آمنة وفعالة ومقبولة التكلفة وعالية الجودة لجموع المواطنين. وسنقوم فيما يلى باستعراض الوضع القائم فى مصر فى ضوء الأبعاد الثلاثة المشار إليها.

أولا: التغطية من حيث الاتساع Breadth (حجم السكان): تتم تغطية المصريين بالرعاية الصحية عن طريق مزيج من خدمات التأمين الصحى الاجتماعى والخدمات الحكومية المدعمة. وفى الوقت الحالى يغطى نظام التأمين الصحى الاجتماعى, المقدم من خلال الهيئة العامة للتأمين الصحى, نحو 42.3 مليون نسمة, أى ما يمثل 57% من مجموع السكان (طبقا لبيانات الهيئة العامة للتأمين الصحى). وتتمثل الكتلة الأكبر -التى تعيش تحت مظلة التأمين الصحى- فى الأطفال الرضع وطلبة المدارس (74%), والأصغر فى أصحاب المعاشات والسيدات الأرامل (6%)؛ وتضم النسبة المتبقية (20%) القوى العاملة. وتقوم وزارة الصحة والسكان وبعض المؤسسات الحكومية الأخرى بدور "المؤمِّن\الملاذ الأخير" الذى يقدم خدمات صحية مجانية أو مدعَّمة بشكل كبير لمن هم خارج مظلة التأمين الصحى. علاوة على ذلك, فقد تم إنشاء برنامج العلاج على نفقة الدولة لتقديم الدعم المادى لكل المواطنين فى إطار النفقات الحكومية المخصصة لذلك. وكان برنامج العلاج على نفقة الدولة قد تم تصميمه فى الأصل لتغطية من لم يغطِّهم نظام التأمين الصحى فى حالة الإصابة بأمراض كارثية, إلا أن نطاقه قد امتد ليشمل كل من يمكنه الوصول إليه, فى الوقت الذى لا تزال مخصصاته المالية فى اتساع أيضا.

وإذا ما نظرنا من قريب إلى التغطية التى يوفرها نظام التأمين الصحى فى مصر, لعنا نستخلص أن تلك التغطية يشوبها نوع من التفتت. فلأسباب تاريخية, تطور نظام التأمين الصحى فى شكل برامج متعددة بمستويات مختلفة من التغطية والخدمات لشرائح متنوعة من السكان, ما أسفر عن نوعية غير متناسقة من التغطية.  ففى نطاق الأسرة المصرية التقليدية يتمتع الأب الذى يعمل لدى أى من القطاعين العام أو الخاص بخدمات التأمين الصحى (طبقا لقانون رقم 79 لعام 1975), وكذلك الأم التى تعمل بالقطاع الحكومى (طبقا لقانون 32\1975), إلا أنها تظل خارج إطار النظام فى حال كونها ربّة منزل (لا تعمل). على الجانب الآخر, نجد الإبن الذى يدرس بالجامعة خارج مظلة التأمين, والإبنة التى لا تزال فى مرحلة ما قبل الجامعة تحت مظلته (طبقا لقانون 99\1992) وكذلك الطفل الرضيع (طبقا لقرار رقم 380 لعام 1997). وبذلك نجد ما يقارب نصف عدد السكان, يتمثل معظمهم فى العاطلين أو أصحاب الأعمال الخاصة أو العاملين بالقطاع غير الرسمى أو الأطفال غير الملتحقين بالتعليم, خارج التغطية.

ثانيا: التغطية من حيث العمق Depth (حجم الخدمات): تختلف حزمة الخدمات الصحية التى يحصل عليها المواطنون باختلاف نظام تقديم الخدمة المحدد لكل فئة. فعلى سبيل المثال, يعتمد المواطنون الذين لا يشملهم نظام التأمين على شبكة المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية, المنتشرة فى أنحاء الجمهورية, لتلقى حزمة معينة من الخدمات التى تتراوح بين الأساسية والتخصصية المجانية أو المدعمة. وتتلخص العوامل الرئيسية المحدِّدة لكل حزمة فى مدى توافر الخدمات وجودتها ومستوى التمويل (الدعم المادى). وفى أوائل الألفية التى نحياها, قامت وزارة الصحة والسكان بالشروع فى تنفيذ نظام طب\صحة الأسرة بغرض ترشيد الخدمات الصحية؛ وإعادة هيكلة عملية تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية لتشمل الأُسر بدلا من الأفراد؛ وترسيخ معايير الجودة؛ وتأمين التمويل الكافى من خلال صندوق صحة الأسرة؛ وتهيئة مراكز تقديم خدمات صحة الأسرة لتكون بمثابة البوابة الرئيسية لخدمات الرعاية الصحية, على أن يتم وضع نظام إحالة واضح مرتبط بالتأمين الصحى فى وقت لاحق.
على الجانب الآخر, يتمتع المواطنون المؤمَّن عليهم بإمكانية الحصول على حزمة غير محدودة من الخدمات على النحو المنصوص عليه فى القانون. وباختلاف القوانين التى تعمل فى ضوئها الهيئة العامة للتأمين الصحى تختلف نظم (حِزم) الخدمات المقدمة والاشتراكات بشكل يحد من فعالية إدارة البرنامج. أضِف إلى ذلك أن أفراد الأسرة الواحدة ينطبق عليهم نظم تغطية مختلفة باختلاف مواقعهم فى الأسرة.
من ناحية أخرى, يمكن للمواطنين غير المؤمن عليهم تلقى الخدمات الصحية عن طريق برنامج العلاج على نفقة الدولة بما يشمله من خدمات عالية التكلفة. إلا أنه, مع ذلك, يعد برنامج سداد غير تفاعلى ليس له علاقة بأىٍ من أنظمة الاشتراكات أو حزمة خدمات محددة. وفى عدد قليل من المحافظات يتم تمويل خدمات الرعاية الصحية الأولية من خلال صندوق صحة الأسرة, إلا أن هذا لا يعدو كونه برنامجا تجريبيا غير واضح المعالم.
ثالثا: التغطية من حيث الارتفاع height (حجم الحماية المالية): وحيث إن أفضل طريقة لقياس هذا البعد هو حجم الإنفاق الشخصى (ما ينفقه المواطن من جيبه) على الصحة, دعونا نستعرض حال المجتمع المصرى من خلال هذه النافذة.
يقصد بالإنفاق الشخصى على الصحة ما تدفعه الأسرة من أموال على الصحة, سواء بشكل مباشر للقطاع الخاص أو الصيدليات, أو غير مباشر فى شكل المصروفات الإضافية التى يتم دفعها مقابل خدمات الصحة العامة. وكلما زاد حجم الإنفاق الشخصى على الصحة كلما زاد حجم السكان المعرضون للخطر والأقل أمانا جراء انحصار عامل الحماية المالية. وبالرغم من توافر أنواع متنوعة من التغطية بالخدمات الصحية من جانب وزارة الصحة والسكان والهيئة العامة للتأمين الصحى, زاد حجم الإنفاق الأُسرى المباشر على الصحة من 50% إلى 72% من إجمالى الإنفاق على الصحة خلال الفترة 1996-2009. وتعزو أسباب ذلك الارتفاع, طبقا لأحد التقارير الدولية, إلى ما يلى:
·        صغر حجم حزمة الخدمات التى تقدمها الهيئة العامة للتأمين الصحى ووزارة الصحة والسكان وشبكة منشآت الصحة العامة الحكومية الأخرى, وهو ما يضطر المواطنين إلى إنفاق المزيد من الأموال للحصول على الخدمات التى لا تشملها حزمة الخدمات هذه.
·        انخفاض نسبة القوى العاملة القادرة على دفع اشتراكات التأمين بصفة منتظمة للهيئة العامة للتأمين الصحى (حوالى 20% فقط).
·        السياسة التى تتبناها الهيئة العامة للتأمين الصحى لاحتواء (الحد من) التكاليف قد يكون لها انعكاسات سلبية على النفقات التى تتكلفها الأسر.
·        يتطلب برنامج العلاج على نفقة الدولة مستوى معين من المشاركة فى التكلفة من جانب المرضى؛ ومن ثم, فإن أى توسع فى نطاق هذا البرنامج سوف يصاحبه فرض أعباء مادية إضافية على كاهل الأسر لتغطية ميزان المدفوعات.
·        انخفاض مستوى جودة الخدمات الحكومية المدعمة, مما يجبر الكثير من الأسر للجوء إلىى القطاع الخاص.
وبالنظر إلى الاتجاهات الأخيرة فى مخصصات الخدمات الصحية الحكومية يتضح أن تكاليف التشغيل والصيانة لم تواكب الاحتياجات اللازمة, ما قد يسهم فى نقص الإمدادات والأدوية والمستلزمات الأساسية الأخرى فى مؤسسات تقديم الخدمات الصحية الحكومية. وعلى هذا الأساس يضطر الكثير من الأسر إلى الاعتماد بشكل كبير على الإنفاق الشخصى على الصحة, الأمر الذي يجعلهم فى مهب الضغوط المالية  فى حال تعرض أى من أفراد هذه الأسر إلى أمراض أو إصابات كارثية.

ولنا حديث آخر...

هذا المقال سبق نشره باللغة الانجليزية في 4 اكتوبر 2011 علي الرابط التالي وقد قام بترجمته الاخ العزيز محمد دوبان وله جزيل الشكر علي المجهود الرائع.


http://reflectionsonegyptshealth.blogspot.com/2011/10/analyzing-universal-coverage-of-health.html?utm_source=BP_recent 


الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

هل تحتاج مصر إلى نصف قرن آخر من الزمان حتى تغطى مظلة التأمين الصحى الاجتماعى جميع المواطنين؟

طريق مصر نحو تأمين صحى اجتماعى – 2

كم من الوقت يحتاج المصريون حتى يضم التأمين الصحى الاجتماعى كل منهم تحت مظلته؟ لقد استغرقت مصر ما يقرب من نصف قرن من الزمان حتى وصل التأمين الصحى إلى نصف السكان؛ فهل نحتاج إلى نصف قرن آخر؟

يتوقع بعض الخبراء أن تغطية النصف الآخر من سكان مصر سوف تتطلب ما بين 35 إلى 50 عاما, اعتمادا على حالة النمو الاقتصادى التى يشهدها البلد. ويصف فريق آخر من الخبراء هذه التوقعات بـــــ"المحافِظة", نظرا لاستنادها إلى الخبرة التاريخية لدول العالم.  دعونا إذن نلقى نظرة على خبرات بعض الدول التى اكتسبت شهرة فى مجال التأمين الصحى الاجتماعى.

لقد أخذت ألمانيا ما يزيد على قرن من الزمان (127 عاما) حتى تحقق تغطية شاملة لجموع المواطنين, منذ إقامة النظام التأمينى فى 1883 على يد "أوتو بِسمارك". ومن الواضح أن النظام الألمانى لا يزال يتطور مع مرور الوقت. وتتمتع الشريحة الأكبر, حوالى 85%,  من المواطنين الألمان بحزمة نموذجية من الخدمات الصحية التى يكفلها النظام القومى للتأمين. وتعتمد النسبة الباقية, ما يقارب 15%, من المواطنين على شركات التأمين الخاصة, والتى تقدم, فى كثير من الأحيان, مزايا إضافية عن تلك التى يقدمها نظام الدولة. ويقال أن هناك 0.3% فقط, حوالى 250 ألف مواطن, لا يغطيهم أى من الأنظمة التأمينية – معظمهم من الفقراء الذين لا يستطيعون دفع النفقات التى يتطلبها النظام, والبقية القليلة تضم كبار الأغنياء الذين لا حاجة لهم فى التأمين.

ونذهب إلى اليابان التى استغرقت حوالى 39 عاما لتحقيق التغطية الشاملة, بغض النظر عن الخطط التأمينية التى انتشرت على مستوى الكثير من المجتمعات المحلية اليابانية على مدار عقود. لقد صدر أول قانون للتأمين الصحى فى اليابان عام 1922, ولكن تم تأجيل العمل به حتى 1927 بسبب زلزال "كانتو" المريع الذى ضرب البلاد فى 1923. وصدر أول قانون تأمين صحى إقليمى (على مستوى الأقاليم المحلية) فى 1938 وتمت مراجعته عدة مرات حتى إعلان التغطية الشاملة فى 1961. كما تم إنشاء هيئة التأمين الصحى الاجتماعى عقب ذلك فى 1962.  ومع كل هذا, طالت المراجعات بعض القوانين التأمينية وشهد النظام تطورا مستمرا حتى سنة 1997 تقريبا؛ الأمر الذى يشير بوضوح إلى أن عملية تطوير النظام لا تتوقف بمجرد تحقيق التغطية الشاملة, ولكن بالأحرى يجب أن تظل آليات عمل النظام تحت المجهر لضمان الكفاءة والفعالية المستمرة. ولعلنا نشاهد ما يدور حولنا معظم الوقت من مناظرات ونقاشات حول الموضوع فى بلاد العالم المختلفة.

وننتقل إلى الجمهورية الكورية والتى تكلفت من الوقت 26 عاما لتحقيق التغطية الشاملة منذ صدور أول مرسوم للتأمين الصحى فى عام 1963 حتى إعلان التغطية الشاملة فى 1989. وتخلل تلك الفترة تفعيل برنامج التأمين الاختيارى فى سنة 1965, وتلاه البرنامج الإجبارى فى 1977. ويعود الفضل وراء هذا الانتقال السريع نسبيا نحو التغطية الشاملة, فى الأساس, إلى الارتفاع المذهل فى متوسط النمو السنوى لإجمالى الناتج القومى لكل فرد (13.3% خلال الفترة 1977-1989).

علاوة على ذلك, استغرق الأمر 118 سنة فى بلجيكا, و79 فى النمسا, و72 فى لوكسمبورج, و48 فى كوستاريكا للوصول بالتغطية الشاملة إلى كافة المواطنين. من هنا, يمكننا القول بأن التغطية الشاملة لا تتطلب فقط وقتا حتى تتطور وتتسع, لكنها تحتاج أيضا إلى أن تتم على مراحل تبعا لحالة النمو الاقتصادى القومى, إضافة إلى قيم وتقاليد المجتمع والعديد من العوامل الأخرى. فعلى سبيل المثال, استغرقت النمسا حوالى 40 سنة (من 1890 إلى 1930) لتوسيع نطاق التغطية من 7% إلى 60%؛ و35 عاما أخرى (1930-1965) للوصول بمظلة التأمين إلى 96% من المواطنين. وفى كوستاريكا تتطلب الأمر 20 سنة (1941- 1961) لتغطية 17% من السكان؛ و5 سنوات أخرى لمضاعفة هذه النسبة لتصل إلى 34% فى 1966؛ و12 سنة أخرى لمضاعفة النسبة السابقة إلى 74% فى عام 1978؛ و13 سنة أخرى للوصول إلى 83% من السكان فى 1991.

ويمكن القول بأن مصر قد قدمت أول خطوة للتأمين الصحى فى عام 1936, وليس كما هو شائع فى 1964, من خلال إصدار قانون رقم 64 لعام 1936, والذى بناءا عليه تم تحميل أصحاب العمل مسئولية إصابات العمل التى تحدث للعاملين. وبعد ذلك تم إصدار 5 قوانين أخرى خلال الفترة 1936-1964. كما تم إنشاء هيئة صحة العاملين فى 1961 لتقديم الخدمات الصحية للعاملين المصريين, والتى تحولت فيما بعد إلى الهيئة العامة للتأمين الصحى. ومع ذلك, يعد عام 1964 محطة الانطلاق الرسمى للتأمين الصحى بعد إصدار المرسوم الرئاسى رقم 1209 لعام 1964, والذى قضى بتولى الهيئة العامة للتأمين الصحى مسئوليات المصلحة العامة للتأمين الاجتماعى, والبناء على قانونى التأمين اللذان يحددان قيمة الأقساط الخاصة بالعاملين الحكوميين (قانون 75\1964) والعاملين بالقطاعين العام والخاص (قانون 63\1964). وبدأت الهيئة العامة للتأمين الصحى عملها فى محافظة الأسكندرية على أمل أن تتوسع فيما بعد لتغطى سائر أنحاء الجمهورية. بعد ذلك تم خفض قيمة الأقساط للعاملين الحكوميين (قانون 32\1975). وفى نفس العام, 1975, تم إصدار قانون آخر ينص على مزيد من المزايا للعاملين بالحكومة والقطاعين العام والخاص؛ ثم امتد ليشمل أصحاب المعاشات والسيدات الأرامل (قانون 79\1975), وهما الفئتين اللتين تم تغطيتهما من دون الحاجة إلى مساهمات من أرباب العمل. ولم يحدث إلا بعد عام 1992 أن توسعت مظلة التأمين الصحى لتغطى أطفال المدارس (قانون 99\1992), ثم تلى ذلك الأطفال تحت سن الدراسة (قانون 380\1997).

وإذا ما تمعنّا النظر فى تطور نظام التأمين الصحى الاجتماعى المصرى منذ نشأته فى عام 1936, قد يمكن القول بأن مصر استغرقت ما يقرب من 75 عاما للوصول بمظلة التأمين إلى 57% من المواطنين, طبقا للبيانات الصادرة عن الهيئة العامة للتأمين الصحى.  ومن الجدير بالذكر أن مصر قد لا تختلف عن أى من الدول الأخرى فى حاجتها إلى بيئة داعمة تسمح لها بالتوسع فى تطبيق النظام بالشكل الأمثل حتى يمتد بمظلته إلى النصف الآخر من المواطنين.

ولنا حديث آخر... 

هذا المقال سبق نشره باللغة الانجليزية في 25 سبتمبر 2011 علي الرابط التالي وقد قام بترجمته الاخ العزيز محمد دوبان وله جزيل الشكر علي المجهود الرائع. 



الاثنين، 28 نوفمبر 2011

مقدمو منتجات وخدمات الرعاية الصحية في قانون التأمين الصحي الاجتماعي


قبل أن نبدأ في قراءة قانون التأمين الصحي الاجتماعي -4


اليوم نستكمل ما بدأناه في المقالات الثلاثة السابقة للوصول الي مقترح للمدخلات المختلفة التي تساعد علي قراءة قانون التأمين الصحي الاجتماعي عند طرحه للمناقشة العامة. واليوم سنتطرق الي موضوع مقدمو منتجات وخدمات الرعاية الصحية.

في مقدمو منتجات وخدمات الرعاية الصحية

يتم تحديد مؤهلات مقدمي وموردي خدمات الرعاية الصحية من القطاعين العام والخاص و وشروط الحصول على ترخيص أو المتطلبات اللازمة لادراجهم في قائمة من المؤهلين  لمقدمي وموردي خدمات الرعاية الصحية لأخذهم بعين الاعتبار للدخول في عقود مع كيان التأمين الصحي الاجتماعي. كما يحدد كيان التأمين الصحي الاجتماعي الإجراءات الخاصة باختيار هؤلاء المقدمين لخدمات ومنتجات الرعاية الصحية الذين يمكنهم المشاركة في العطاءات وفي العقود المباشرة مع كيان التأمين الصحي الاجتماعي أو من يمثله (في حالة استخدام المكاتب الاقليمية او طرف ثالث (Third Party Administrators).  كما يمكن النص علي أن يشكل مقدمو الرعاية الصحية الذين يتم التعاقد معهم شبكة لهم بحيث تضم هذه الشبكة مقدمي الرعاية الأساسية والثانوية وموردي الأجهزة الطبية والأدوية والمنتجات ذات الصلة والتي تفي بمعايير كيان التأمين الصحي الاجتماعي.

مؤهلات مقدمي الرعاية الصحية

يجب النص علي أن يكون جميع مقدمي الرعاية الصحية في الشبكة مؤهلين ومتخصصين في تقديم الخدمات التي تفي بالمعايير المحددة ويحدد من له سلطة اتخاذ هذا القرار. و يقترح أن تشمل هذه المعايير ـ دون حصر ـ ما يلي:

·         الترخيص على مستوى الرعاية المتعاقد عليها.
·         الاعتماد من جانب الكيان المناسب حسبما تحدده الجهة المختصة.
·         استيفاء متطلبات الجودة حسبما هي موضوعة من جانب الجهة المختصة.

كما يمكن النص عاي أنه يجوز لكيان التأمين الصحي الاجتماعي أن يضع معاييراً خاصة به كجزء من الشروط والأحكام في العقود المبرمة مع مقدمي الرعاية الصحية. ويمكن أن تشمل هذه المعايير، دون حصر، ما يلي:

·         القدرة الإدارية (الطبية، والإدارية، والمالية)  clinical, administrative and financial  
·         القدرة على الوفاء بمعايير الجودة الإضافية Additional process and outcome quality standards  .
·         القدرة على الوفاء بمعايير التكاليف cost، والأسعار price، وفعالية الاستخدام utilization effectiveness .
·     القدرة على جمع وتقديم البيانات timely dataوالقدرة على الوفاء بمتطلبات رفع التقاريرreporting requirements المحددة من جانب كيان التأمين الصحي الاجتماعي بما في ذلك توفير السجلات الطبية وتقديم الفواتير بالشكل المناسب.
·         القدرة على توفير بيانات الصحة العامة public health data حسبما تتطلبه الوزارة المختصة بالصحة.
·         الموقع الجغرافي  Geographic Location .
·         توافر القدرة على تقديم الخدمات Capacity to delivery services  .
·         القدرة على الوفاء بمتطلبات رفع التقارير المالية والفنية Ability to meet financial and technical reporting requirements.

كما يمكن الاشارة الي مسئولية مقدمي الرعاية الصحية الأساسية المتعاقد معهم عن تقديم المستوى الأول من الخدمات العلاجية إلى المنتفعين ودورهم كطبيب أسرة خاصة فيما يتعلق بإجراء الاحالة إلى المستوى الثانوي من الرعاية باستثناء ما يكون في حالات الطوارئ الطبية.

مؤهلات موردي منتجات الرعاية الصحية

بالمثل لمقدمي الخدمة يتم الاشارة الي مؤهلات موردي الأجهزة الطبية والأدوية والمنتجات ذات الصلة والتي سيقوم بشرائها كيان التأمين الصحي الاجتماعي شاملة تحديد الجهات الواجبة لمنح التراخيص الملائمة (مثل وزارتي الصناعة والصحة). كما يتم ذكر أن كان هناك مؤهلات ومعايير إضافية لهؤلاء الموردين كجزء من الشروط والأحكام التي تتضمنها العقود ذات الصلة. ويجوز أن تتضمن هذه ما يلي:

·         جودة وكُلفة المنتجات المطلوبة.
·         توافر التأمين والضمانات على المنتجات كما هو ملائم.
·         خدمة وصيانة المنتجات.
·         القدرة على تقديم الكميات المطلوبة وتوصيلها إلى المكان الذي تكون مطلوبة فيه.

ونستكمل قريبا القائمة في مقال قادم

للاطلاع علي ملخص مقترح لاطار كامل باللغة الانجليزية علي الرابط التالي: