الغرض من هذه الصفحة هونشر المعلومات والمناقشة العلمية للمهتمين بالصحة العامة في مصر وصلتها بالتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية. وعند القيام بذلك، تلتزم هذه الصفحة أن تتخذ موقفا محايدا وتعرض وجهات النظر كافة على قدم المساواة. الاعمال المقدمة في هذه المدونة تم تقديمها بناء علي أراء عدة خبراء في مجالاتهم.

الأربعاء، 14 ديسمبر، 2011

هل تحتاج مصر إلى نصف قرن آخر من الزمان حتى تغطى مظلة التأمين الصحى الاجتماعى جميع المواطنين؟

طريق مصر نحو تأمين صحى اجتماعى – 2

كم من الوقت يحتاج المصريون حتى يضم التأمين الصحى الاجتماعى كل منهم تحت مظلته؟ لقد استغرقت مصر ما يقرب من نصف قرن من الزمان حتى وصل التأمين الصحى إلى نصف السكان؛ فهل نحتاج إلى نصف قرن آخر؟

يتوقع بعض الخبراء أن تغطية النصف الآخر من سكان مصر سوف تتطلب ما بين 35 إلى 50 عاما, اعتمادا على حالة النمو الاقتصادى التى يشهدها البلد. ويصف فريق آخر من الخبراء هذه التوقعات بـــــ"المحافِظة", نظرا لاستنادها إلى الخبرة التاريخية لدول العالم.  دعونا إذن نلقى نظرة على خبرات بعض الدول التى اكتسبت شهرة فى مجال التأمين الصحى الاجتماعى.

لقد أخذت ألمانيا ما يزيد على قرن من الزمان (127 عاما) حتى تحقق تغطية شاملة لجموع المواطنين, منذ إقامة النظام التأمينى فى 1883 على يد "أوتو بِسمارك". ومن الواضح أن النظام الألمانى لا يزال يتطور مع مرور الوقت. وتتمتع الشريحة الأكبر, حوالى 85%,  من المواطنين الألمان بحزمة نموذجية من الخدمات الصحية التى يكفلها النظام القومى للتأمين. وتعتمد النسبة الباقية, ما يقارب 15%, من المواطنين على شركات التأمين الخاصة, والتى تقدم, فى كثير من الأحيان, مزايا إضافية عن تلك التى يقدمها نظام الدولة. ويقال أن هناك 0.3% فقط, حوالى 250 ألف مواطن, لا يغطيهم أى من الأنظمة التأمينية – معظمهم من الفقراء الذين لا يستطيعون دفع النفقات التى يتطلبها النظام, والبقية القليلة تضم كبار الأغنياء الذين لا حاجة لهم فى التأمين.

ونذهب إلى اليابان التى استغرقت حوالى 39 عاما لتحقيق التغطية الشاملة, بغض النظر عن الخطط التأمينية التى انتشرت على مستوى الكثير من المجتمعات المحلية اليابانية على مدار عقود. لقد صدر أول قانون للتأمين الصحى فى اليابان عام 1922, ولكن تم تأجيل العمل به حتى 1927 بسبب زلزال "كانتو" المريع الذى ضرب البلاد فى 1923. وصدر أول قانون تأمين صحى إقليمى (على مستوى الأقاليم المحلية) فى 1938 وتمت مراجعته عدة مرات حتى إعلان التغطية الشاملة فى 1961. كما تم إنشاء هيئة التأمين الصحى الاجتماعى عقب ذلك فى 1962.  ومع كل هذا, طالت المراجعات بعض القوانين التأمينية وشهد النظام تطورا مستمرا حتى سنة 1997 تقريبا؛ الأمر الذى يشير بوضوح إلى أن عملية تطوير النظام لا تتوقف بمجرد تحقيق التغطية الشاملة, ولكن بالأحرى يجب أن تظل آليات عمل النظام تحت المجهر لضمان الكفاءة والفعالية المستمرة. ولعلنا نشاهد ما يدور حولنا معظم الوقت من مناظرات ونقاشات حول الموضوع فى بلاد العالم المختلفة.

وننتقل إلى الجمهورية الكورية والتى تكلفت من الوقت 26 عاما لتحقيق التغطية الشاملة منذ صدور أول مرسوم للتأمين الصحى فى عام 1963 حتى إعلان التغطية الشاملة فى 1989. وتخلل تلك الفترة تفعيل برنامج التأمين الاختيارى فى سنة 1965, وتلاه البرنامج الإجبارى فى 1977. ويعود الفضل وراء هذا الانتقال السريع نسبيا نحو التغطية الشاملة, فى الأساس, إلى الارتفاع المذهل فى متوسط النمو السنوى لإجمالى الناتج القومى لكل فرد (13.3% خلال الفترة 1977-1989).

علاوة على ذلك, استغرق الأمر 118 سنة فى بلجيكا, و79 فى النمسا, و72 فى لوكسمبورج, و48 فى كوستاريكا للوصول بالتغطية الشاملة إلى كافة المواطنين. من هنا, يمكننا القول بأن التغطية الشاملة لا تتطلب فقط وقتا حتى تتطور وتتسع, لكنها تحتاج أيضا إلى أن تتم على مراحل تبعا لحالة النمو الاقتصادى القومى, إضافة إلى قيم وتقاليد المجتمع والعديد من العوامل الأخرى. فعلى سبيل المثال, استغرقت النمسا حوالى 40 سنة (من 1890 إلى 1930) لتوسيع نطاق التغطية من 7% إلى 60%؛ و35 عاما أخرى (1930-1965) للوصول بمظلة التأمين إلى 96% من المواطنين. وفى كوستاريكا تتطلب الأمر 20 سنة (1941- 1961) لتغطية 17% من السكان؛ و5 سنوات أخرى لمضاعفة هذه النسبة لتصل إلى 34% فى 1966؛ و12 سنة أخرى لمضاعفة النسبة السابقة إلى 74% فى عام 1978؛ و13 سنة أخرى للوصول إلى 83% من السكان فى 1991.

ويمكن القول بأن مصر قد قدمت أول خطوة للتأمين الصحى فى عام 1936, وليس كما هو شائع فى 1964, من خلال إصدار قانون رقم 64 لعام 1936, والذى بناءا عليه تم تحميل أصحاب العمل مسئولية إصابات العمل التى تحدث للعاملين. وبعد ذلك تم إصدار 5 قوانين أخرى خلال الفترة 1936-1964. كما تم إنشاء هيئة صحة العاملين فى 1961 لتقديم الخدمات الصحية للعاملين المصريين, والتى تحولت فيما بعد إلى الهيئة العامة للتأمين الصحى. ومع ذلك, يعد عام 1964 محطة الانطلاق الرسمى للتأمين الصحى بعد إصدار المرسوم الرئاسى رقم 1209 لعام 1964, والذى قضى بتولى الهيئة العامة للتأمين الصحى مسئوليات المصلحة العامة للتأمين الاجتماعى, والبناء على قانونى التأمين اللذان يحددان قيمة الأقساط الخاصة بالعاملين الحكوميين (قانون 75\1964) والعاملين بالقطاعين العام والخاص (قانون 63\1964). وبدأت الهيئة العامة للتأمين الصحى عملها فى محافظة الأسكندرية على أمل أن تتوسع فيما بعد لتغطى سائر أنحاء الجمهورية. بعد ذلك تم خفض قيمة الأقساط للعاملين الحكوميين (قانون 32\1975). وفى نفس العام, 1975, تم إصدار قانون آخر ينص على مزيد من المزايا للعاملين بالحكومة والقطاعين العام والخاص؛ ثم امتد ليشمل أصحاب المعاشات والسيدات الأرامل (قانون 79\1975), وهما الفئتين اللتين تم تغطيتهما من دون الحاجة إلى مساهمات من أرباب العمل. ولم يحدث إلا بعد عام 1992 أن توسعت مظلة التأمين الصحى لتغطى أطفال المدارس (قانون 99\1992), ثم تلى ذلك الأطفال تحت سن الدراسة (قانون 380\1997).

وإذا ما تمعنّا النظر فى تطور نظام التأمين الصحى الاجتماعى المصرى منذ نشأته فى عام 1936, قد يمكن القول بأن مصر استغرقت ما يقرب من 75 عاما للوصول بمظلة التأمين إلى 57% من المواطنين, طبقا للبيانات الصادرة عن الهيئة العامة للتأمين الصحى.  ومن الجدير بالذكر أن مصر قد لا تختلف عن أى من الدول الأخرى فى حاجتها إلى بيئة داعمة تسمح لها بالتوسع فى تطبيق النظام بالشكل الأمثل حتى يمتد بمظلته إلى النصف الآخر من المواطنين.

ولنا حديث آخر... 

هذا المقال سبق نشره باللغة الانجليزية في 25 سبتمبر 2011 علي الرابط التالي وقد قام بترجمته الاخ العزيز محمد دوبان وله جزيل الشكر علي المجهود الرائع. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقالات أخري