الغرض من هذه الصفحة هونشر المعلومات والمناقشة العلمية للمهتمين بالصحة العامة في مصر وصلتها بالتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية. وعند القيام بذلك، تلتزم هذه الصفحة أن تتخذ موقفا محايدا وتعرض وجهات النظر كافة على قدم المساواة. الاعمال المقدمة في هذه المدونة تم تقديمها بناء علي أراء عدة خبراء في مجالاتهم.

الجمعة، 9 مارس 2012

الحاجة إلى خطة انتقالية لتحقيق التغطية الشاملة بالخدمات الصحية

أصبح من الواضح أن المرحلة التى تمر بها مصر اليوم تقع على عاتق الحكومة الانتقالية إلى أن تأتى حكومة منتخبة تتولى زمام الأمور. ويصعب خلال هذه المرحلة تحديد دور وزير الصحة؛ وفى حال ما تم تحديده, سوف تقف العديد من التحديات فى طريق القيام بهذا الدور. وفى مقال سابق,  تم تلخيص الدور الذى يمكن أن يلعبه وزير الصحة خلال المرحلة الانتقالية فى: 1) بث روح الثقة فى فريق العمل بالقطاع الصحى, 2) استعادة ثقة الشعب في إدارة القطاع الصحى, 3) تمهيد الطريق لموجة ثالثة من الإصلاح الصحى. وفى كل الأحوال وبعد موجتين تجريبيتين للإصلاح الصحى, فمن المرجح أن تقوم الحكومة المنتخبة القادمة بالشروع فى الموجة الثالثة وإرساء قواعد النظام الصحى الذى يتلاءم مع احتياجات وقدرات عامة الشعب المصرى, ليحل بذلك محل النظام الراهن التعددى والمفتت الذى أخفق فى تحقيق هدفين أساسيين من أهدافه: 1) الحماية المالية, 2) رضاء الجمهور, مع الأخذ فى الاعتبار أن مصر تحرز تقدما ملموسا نوعا ما تجاه الأهداف الألفية الإنمائية المرتبطة بالصحة.
وسوف يكون هناك احتياج إلى مرحلة أطول لتحقيق التغطية الشاملة التى تقوم على نظام صحى رئيسى يقود (أو بالأحرى يهيمن على) عملية تمويل وتقديم الخدمات الصحية. وكما استعرضنا فى أحد المقالات السابقة,  فمن المتوقع أن يكون هذا النظام أحد خيارين:

1)  نظام تأمين صحى اجتماعى يعتمد بشكل أكبر على العوائد الضريبية ويوظِّف فى نفس الوقت بعضا من الخصائص المالية لنظام التأمين القائم على الضرائب. وفى هذه الحالة سوف يعتمد تمويل التأمين الصحى الاجتماعى على اشتراكات المواطنين القادرين على تحمل المساهمات المطلوبة, بجانب الدعم الحكومى -الجزئى أو الكلى- لأقساط المواطنين غير القادرين على السداد. ومن المتوقع أن يكون مصدر هذا الدعم الإيرادات العامة للدولة وأن يكون مبنيا على الضرائب, ويفضل ألا يعتمد ذلك على الضرائب الموجهة (المخصصة لغرض ما). وسيكون هذا التوجه بمثابة استكمال المسار الطبيعى للموجة الثانية من الإصلاح التى تمت بشكل تجريبى فى محافظة السويس.
ومن المرجح أن يتم توسيع مظلة التغطية بالخدمات على نحو تدريجى كما أوضحنا فى مقال سابق. وترتكز سرعة عملية التوسع على قدرة مصر على مواجهة التحديات -التى ناقشناها أيضا فى أحد مقالاتنا السابقة- والتى تتمثل فى: 1) القدرة على التعافى من الهزات الارتدادية التى تلت ثورة الخامس والعشرين من يناير, واستعادة معدلات النمو العالية التى سبقت الثورة, والارتقاء بمستوى الدخل الإجمالى القومى؛ 2) القدرة على خلق فرص عمل يتوافر فيها عنصر الحماية من خلال ترسيخ ودعم أسس القطاع الرسمى؛ 3) القدرة على توسيع حدود المناطق الحضرية؛ 4) القدرة على مأسسة نظام فعال لإدارة التأمين الصحى؛ 5) مستوى الفقر وإرادة المجتمع تجاه دعم الخدمات المقدمة للفقراء؛ 6) امتلاك شبكة واسعة وجيدة لتقديم الخدمات؛ 7) القدرة على التنظيم.
وسوف تكون هناك أيضا العديد من العوامل الإضافية المحورية ذات الصلة بمصر ومسارها التاريخى تجاه تحقيق التغطية الشاملة, مثل مستويات الرواتب. وتتوقف اشتراكات أصحاب العمل والعاملين على مرتباتهم الأساسية؛ ولكن حالما يتم حساب تلك الاشتراكات على  أساس إجمالى المرتب (أساسى ومتغير), لن يجد العامل نفسه مطالبا فقط بسداد اشتراكات أعلى بكثير من التى يدفعها, وإنما سوف يجد صاحب العمل هو الآخر نفسه مطالبا بتحمل عبء أكبر من المصروفات. وفى الكثير من الحالات يتمثل صاحب العمل فى الحكومة, مما يتسبب فى إلقاء المزيد من الأثقال على ميزانيتها المتواضعة جدا. وفى بعض الحالات الأخرى يتمثل صاحب العمل فى القطاعين العام والخاص, واللذان سوف يُحمِّلان بدورهما العبء على أسعار المنتجات, الأمر الذى قد يتسبب فى زيادة حجم التضخم, وربما يدفع أيضا بعض الشركات الصغيرة لارتداء عباءة القطاع غير الرسمى كوسيلة للتملص من دفع مساهمات تأمينية أعلى.

2)   نظام صحى وطنى يعتمد على الضرائب ويدار بشكل مباشر عن طريق شبكة تقديم الخدمات ليتحول إلى نموذج تعاقدى بين مشترى الخدمة ومقدمها. وفى هذه الحالة سوف يعتمد النظام الصحى الوطنى فى تمويله على الإيرادات العامة. وهناك احتمال كبير أن يقوم هذا النظام بإعلان التغطية الشاملة على المستوى القومى فى مرحلة مبكرة عن النظام القائم على التأمين الصحى الاجتماعى. إلا أن هذا قد يبدو غير عملى على أرض الواقع, حيث إن التغطية الشاملة سوف تحدث على مراحل فى كلا النظامين, وبالتالى ستكون النتائج واحدة تقريبا. ويكمن التحدى فى أن النظام الصحى الوطنى سوف يتطلب المزيد من الأموال الحكومية لحل محل المساهمات الخاصة بالعاملين وأصحاب العمل, الأمر الذى سيساهم فى تيسير عملية التمويل. ويعنى هذا أنه سوف يتعين على الحكومة تخصيص ميزانيات إضافية من الإيرادات العامة.

وفيما يتعلق بالجانب الإيجابى, حسبما أشارت إليه بعض المزاعم, سوف يتطلب النظام الصحى الوطنى نفقات أقل, ويثمر عن نتائج صحية أفضل نظرا لقدرته على التكامل مع برامج الصحة العامة, كما سيتطلب فى ذات الوقت هياكل تنظيمية أقل تعقيدا لسريان النظام, وسيكون أقل تأثيرا على سوق العمل من التأمين الصحى الاجتماعى. يضاف إلى ذلك أن هذا هو النظام الذى قد تفضل وزراة الصحة العمل بموجبه على اعتبار قربه من طريقة تفكير الوزارة, بجانب إلمام فريق العمل الصحى بآليات تقديم الخدمات التى يتضمنها ذلك النظام. على الناحية الأخرى, ربما يشعر الناس بارتياح أكثر للعمل بهذا النظام استنادا إلى أنه لن يتطلب منهم دفع اشتراكات بصورة مباشرة, إلا فى حالة تطبيق آلية المساهمة فى الاشتراكات ورسوم الانتفاع بالخدمة.

وربما يساعد تطبيق نموذج التعاقد بين مشترى الخدمة ومقدمها, فى إطار النظام الصحى الوطنى, على حل الكثير من المشاكل المتأصلة فى هذا النظام فى حال دعمه بمعايير جودة ومجموعة تنظيمات تتسم بالقوة, وخاصة فيما يتصل بأداء النظام ورضاء العملاء عنه. وسوف تمثل آليات الدفع (المادى) مقابل الأداء سمة أساسية فى عملية محاسبة مقدمى خدمات الصحة العامة على حسب أداءهم. وعلى نفس النحو, سيمثل التعاقد مع المنظمات الأهلية غير الهادفة للربح, والتى تتميز بإمكانية الوصول للجمهور وتقديم الرعاية الصحية الثانوية, سمة أساسية أخرى فيما يخص التعاقد المبنى على الأداء.

وفى كلتا الحالتين, المشار إليهما أعلاه, لابد من وضع خطة انتقالية واضحة المعالم قبل البدء فى اتخاذ أى خطوات تنفيذية. وقبل هذا يتعين على الحكومة ومجلس الشعب اتخاذ قرار مستنير وواضح بشأن النظام الصحى الذى سوف تتبناه مصر. ومن المتوقع ألا تقوم الحكومة الانتقالية بالشروع فى أى من النظامين قبل عرضهما للمناقشات الموسعة بين فريق العمل الصحى والمواطنين الذين سوف يتحملون تبعات مثل هذا القرار المصيرى, التى من بينها الالتزام بدفع المساهمات المنصوص عليها, والتى ربما تقتضى التضحية بأولويات حياتية أخرى.

ولنا حديث آخر...

هذا المقال سبق نشره باللغة الانجليزية في 25 ديسمبر 2011 علي الرابط التالي وقد قام بترجمته الاخ العزيز محمد دوبان وله جزيل الشكر علي المجهود الرائع.



الجمعة، 2 مارس 2012

الانتقال نحو موجة ثالثة من إصلاح القطاع الصحى المصرى

بدأ القطاع الصحى المصرى, عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير, مرحلة انتقالية جديدة يصعب تحديد المدى الزمنى التى ستستغرقه. فمنذ ذلك الحين تَقلد منصب وزير الصحة والسكان ثلاثة وزراء دون أن يكون هناك رضا لعامة الشعب أو فريق العمل بالقطاع الصحى على أى منهم، مما يشكل تحديا بالغا فى مواجهة من سيناط به قيادة المرحلة الانتقالية. ويرجع السبب وراء حالة عدم ارضا السائدة إلى ارتفاع سقف الطموحات والافتقار إلى خارطة طريق لأهم الأولويات التى ينبغى التركيز عليها, إضافة إلى غياب المؤشرات التى من دونها لا يمكن قياس مدى التقدم الذى سوف تثمر عنه المرحلة الانتقالية.

ومن المتوقع أن يلى المرحلة الانتقالية موجة ثالثة من الإصلاح الصحى؛ غير أن افتقاد الرؤية الاستراتيجية لهذه الموجة المحتملة من شأنه أن يعرقل المساعى المبذولة لتصميم وتنفيذ عملية التحول. وتظهر بوادر تلك الموجة فى الأفق إذا ما طالعنا تاريخ الإصلاح الصحى فى مصر, والذى يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مراحل:

1)     مرحلة ما قبل الإصلاح (قبل عام 1997): ركزت على تحسين النتائج المرتبطة بصحة الأمهات والأطفال, إضافة إلى الخصوبة.
2)     الموجة الأولى من الإصلاح (1997 – 2005): ركزت على التغطية الشاملة بالخدمات الصحية عن طريق نظام صحى قومى.
3)     الموجة الثانية (2006 – 2010): ركزت على توسيع مظلة التغطية الشاملة بالخدمات من خلال التأمين الصحى الاجتماعى.
مرحلة ما قبل الإصلاح
دار محور تركيز هذه المرحلة حول تحسين نتائج البرامج الرأسية المعنية بالخصوبة ورعاية الأمومة والطفولة, والتى يتم تنفيذها على مستوى الرعاية الصحية الأولية. واستهدفت الجهود الرامية إلى رفع الكفاءة خلق حالة من التكامل بين خدمات صحة الطفل على مستوى الرعاية الأولية؛ وأيضا استرداد التكاليف على مستوى المستشفيات. بينما ركزت الجهود الرامية إلى الحماية والتغطية الشاملة على توسيع مظلة التأمين الصحى (بشكل إجبارى للأطفال فى سن الدراسة واختيارى لما دون ذلك السن).
الموجة الأولى من الإصلاح
بغض النظر عن التصميم الأصلى, تبنت هذه الموجة نموذج "النظام الصحى القومى" لتحقيق التغطية الشاملة على نحو تجريبى فى خمسة محافظات. وأخذت حينئذ وزارة الصحة بزمام الأمور لما لها من إلمام بالنظام الصحى القومى, إضافة إلى كون عملية الإصلاح امتدادا طبيعيا للدور الأصلى الذى تلعبه الوزارة. على الجانب الآخر, لم يتم إشراك الهيئة العامة للتأمين الصحى بشكل كبير فى عملية الإصلاح واستمرت فى أداء المهام الأساسية الموكلة إليها, فى حين أنه كان من المتوقع أن تخوض هى الأخرى نفس العملية. وشهدت هذه المرحلة إدخال: 1) خدمات صحة الأسرة ونظام اعتمادها؛ 2) التخطيط القائم على احتياجات المنشآت الصحية؛ 3) نظام الدفع (المادى) مقابل الأداء, بشكل جزئى, بالاعتماد على صناديق صحة الأسرة كمحاولة لفصل عملية تقديم الخدمات عن إدارتها. ومما لا شك فيه أن تدريب القوى العاملة والجودة لعبا دورا محوريا فى زيادة الطلب على الخدمات, غير أن الرسوم المالية المفروضة على العملاء مقابل الخدمة لعبت دورا عكسيا فى هذا الصدد.
الموجة الثانية من الإصلاح
تبنت هذه الموجة نموذج "نظام التأمين الصحى الاجتماعى" لتحقيق التغطية الشاملة بصفة تجريبية فى محافظة واحدة. وجرت عملية التصميم خلال تطور مراحل التنفيذ مع بعض التحفظ تجاه توسيع نطاق التغطية. واعتمد هذا التحول الواضح من "النظام الصحى القومى" إلى "نظام التأمين الصحى الاجتماعى" على ورقة سياسات قام بإعدادها الحزب الوطنى الديمقراطى السابق, والتى تلاها إعلان رئاسى فى محافظة سوهاج فى  2005. وأجبر هذا التحول وزارة المالية للقيام بدور الشريك صاحب القرارات المؤثرة خلال هذه المرحلة. كما قامت الهيئة العامة للتأمين الصحى, على نحو جزئى, بإدارة هذه المرحلة التى شهدت بعض العقبات للوصول إلى توافق جماعى والاعتراف بالحاجة إلى المزيد من الدراسات لاستيضاح الآثار المالية للتأمين الصحى الاجتماعى على الميزانية. ومما يدعو  للأسف أنه مع مضى الوقت تم إسقاط العديد من السمات والملامح التى أوجدتها الموجة الأولى من الإصلاح.
الانتقال\التحول
تمر مصر الآن بالمرحلة الانتقالية التى تسبق الموجة الثالثة من الإصلاح. وقد يكون من الحكمة وضع مجموعة من الأهداف المتواضعة (الواقعية) التى يمكن تحقيقها خلال هذه المرحلة بدلا من محاولة إصلاح النظام برمته أو تمرير قوانين مصيرية مثل التأمين الصحى الاجتماعى. وقد يكون أيضا من الأهمية بمكان أن يتم التوصل إلى إجماع عام حول النظام الصحى الذى سوف يعكس قيم واحتياجات وقدرات المواطنين قبل انطلاق الموجة الثالثة. وفى هذا الصدد, يطرح السؤالين التاليين نفسهما
1)     هل هناك استعداد شعبى لتقبل فكرة أن الإصلاح سوف يستغرق وقتا أطول مما قد يتوقع؛ وهل هناك استعداد للتطبيق على مراحل مخططة بشكل واقعى بدلا من الإصلاح الشامل الذى يشبه العاصفة؟

لو كان الأمر كذلك,

2)     ما هو الحد الأدنى من الأولويات والأهداف التى تتطلبها مرحلة التحول, وكيف سيتم قياس نجاحها فى تحقيق الأهداف المخططة من عدمه؟
وهنا قد يمكننا القول بأن أولويتين أساسيتين تستحوذان على اهتمام المواطنين والعاملين بالقطاع الصحى خلال المرحلة الانتقالية:
أ‌)       القيادة\الإدارة\ الحوكمة ومكافحة الفساد
ب‌)   القوى العاملة بالقطاع الصحى

وسوف تحتاج هاتين الأولويتين إلى الدراسة والمزيد من التفصيل لضمان جدوى ونجاح إجراءات التنفيذ, إلى جانب وضع وزير الصحة قيد المساءلة العادلة والبناءة على مستوى الأداء خلال هذه المرحلة. ومن المتوقع أن يثمر التحسن الحاصل فى هذين النطاقين عن تحسن ملحوظ فى عملية تقديم الخدمات بالصورة التى تلقى قبول واستحسان الجموع العريضة من المواطنين.

ولنا حديث آخر...

هذا المقال سبق نشره باللغة الانجليزية في 25 نوفمبر 2011 علي الرابط التالي وقد قام بترجمته الاخ العزيز محمد دوبان وله جزيل الشكر علي المجهود الرائع.


مقالات أخري