الغرض من هذه الصفحة هونشر المعلومات والمناقشة العلمية للمهتمين بالصحة العامة في مصر وصلتها بالتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية. وعند القيام بذلك، تلتزم هذه الصفحة أن تتخذ موقفا محايدا وتعرض وجهات النظر كافة على قدم المساواة. الاعمال المقدمة في هذه المدونة تم تقديمها بناء علي أراء عدة خبراء في مجالاتهم.

الجمعة، 2 مارس، 2012

الانتقال نحو موجة ثالثة من إصلاح القطاع الصحى المصرى

بدأ القطاع الصحى المصرى, عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير, مرحلة انتقالية جديدة يصعب تحديد المدى الزمنى التى ستستغرقه. فمنذ ذلك الحين تَقلد منصب وزير الصحة والسكان ثلاثة وزراء دون أن يكون هناك رضا لعامة الشعب أو فريق العمل بالقطاع الصحى على أى منهم، مما يشكل تحديا بالغا فى مواجهة من سيناط به قيادة المرحلة الانتقالية. ويرجع السبب وراء حالة عدم ارضا السائدة إلى ارتفاع سقف الطموحات والافتقار إلى خارطة طريق لأهم الأولويات التى ينبغى التركيز عليها, إضافة إلى غياب المؤشرات التى من دونها لا يمكن قياس مدى التقدم الذى سوف تثمر عنه المرحلة الانتقالية.

ومن المتوقع أن يلى المرحلة الانتقالية موجة ثالثة من الإصلاح الصحى؛ غير أن افتقاد الرؤية الاستراتيجية لهذه الموجة المحتملة من شأنه أن يعرقل المساعى المبذولة لتصميم وتنفيذ عملية التحول. وتظهر بوادر تلك الموجة فى الأفق إذا ما طالعنا تاريخ الإصلاح الصحى فى مصر, والذى يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مراحل:

1)     مرحلة ما قبل الإصلاح (قبل عام 1997): ركزت على تحسين النتائج المرتبطة بصحة الأمهات والأطفال, إضافة إلى الخصوبة.
2)     الموجة الأولى من الإصلاح (1997 – 2005): ركزت على التغطية الشاملة بالخدمات الصحية عن طريق نظام صحى قومى.
3)     الموجة الثانية (2006 – 2010): ركزت على توسيع مظلة التغطية الشاملة بالخدمات من خلال التأمين الصحى الاجتماعى.
مرحلة ما قبل الإصلاح
دار محور تركيز هذه المرحلة حول تحسين نتائج البرامج الرأسية المعنية بالخصوبة ورعاية الأمومة والطفولة, والتى يتم تنفيذها على مستوى الرعاية الصحية الأولية. واستهدفت الجهود الرامية إلى رفع الكفاءة خلق حالة من التكامل بين خدمات صحة الطفل على مستوى الرعاية الأولية؛ وأيضا استرداد التكاليف على مستوى المستشفيات. بينما ركزت الجهود الرامية إلى الحماية والتغطية الشاملة على توسيع مظلة التأمين الصحى (بشكل إجبارى للأطفال فى سن الدراسة واختيارى لما دون ذلك السن).
الموجة الأولى من الإصلاح
بغض النظر عن التصميم الأصلى, تبنت هذه الموجة نموذج "النظام الصحى القومى" لتحقيق التغطية الشاملة على نحو تجريبى فى خمسة محافظات. وأخذت حينئذ وزارة الصحة بزمام الأمور لما لها من إلمام بالنظام الصحى القومى, إضافة إلى كون عملية الإصلاح امتدادا طبيعيا للدور الأصلى الذى تلعبه الوزارة. على الجانب الآخر, لم يتم إشراك الهيئة العامة للتأمين الصحى بشكل كبير فى عملية الإصلاح واستمرت فى أداء المهام الأساسية الموكلة إليها, فى حين أنه كان من المتوقع أن تخوض هى الأخرى نفس العملية. وشهدت هذه المرحلة إدخال: 1) خدمات صحة الأسرة ونظام اعتمادها؛ 2) التخطيط القائم على احتياجات المنشآت الصحية؛ 3) نظام الدفع (المادى) مقابل الأداء, بشكل جزئى, بالاعتماد على صناديق صحة الأسرة كمحاولة لفصل عملية تقديم الخدمات عن إدارتها. ومما لا شك فيه أن تدريب القوى العاملة والجودة لعبا دورا محوريا فى زيادة الطلب على الخدمات, غير أن الرسوم المالية المفروضة على العملاء مقابل الخدمة لعبت دورا عكسيا فى هذا الصدد.
الموجة الثانية من الإصلاح
تبنت هذه الموجة نموذج "نظام التأمين الصحى الاجتماعى" لتحقيق التغطية الشاملة بصفة تجريبية فى محافظة واحدة. وجرت عملية التصميم خلال تطور مراحل التنفيذ مع بعض التحفظ تجاه توسيع نطاق التغطية. واعتمد هذا التحول الواضح من "النظام الصحى القومى" إلى "نظام التأمين الصحى الاجتماعى" على ورقة سياسات قام بإعدادها الحزب الوطنى الديمقراطى السابق, والتى تلاها إعلان رئاسى فى محافظة سوهاج فى  2005. وأجبر هذا التحول وزارة المالية للقيام بدور الشريك صاحب القرارات المؤثرة خلال هذه المرحلة. كما قامت الهيئة العامة للتأمين الصحى, على نحو جزئى, بإدارة هذه المرحلة التى شهدت بعض العقبات للوصول إلى توافق جماعى والاعتراف بالحاجة إلى المزيد من الدراسات لاستيضاح الآثار المالية للتأمين الصحى الاجتماعى على الميزانية. ومما يدعو  للأسف أنه مع مضى الوقت تم إسقاط العديد من السمات والملامح التى أوجدتها الموجة الأولى من الإصلاح.
الانتقال\التحول
تمر مصر الآن بالمرحلة الانتقالية التى تسبق الموجة الثالثة من الإصلاح. وقد يكون من الحكمة وضع مجموعة من الأهداف المتواضعة (الواقعية) التى يمكن تحقيقها خلال هذه المرحلة بدلا من محاولة إصلاح النظام برمته أو تمرير قوانين مصيرية مثل التأمين الصحى الاجتماعى. وقد يكون أيضا من الأهمية بمكان أن يتم التوصل إلى إجماع عام حول النظام الصحى الذى سوف يعكس قيم واحتياجات وقدرات المواطنين قبل انطلاق الموجة الثالثة. وفى هذا الصدد, يطرح السؤالين التاليين نفسهما
1)     هل هناك استعداد شعبى لتقبل فكرة أن الإصلاح سوف يستغرق وقتا أطول مما قد يتوقع؛ وهل هناك استعداد للتطبيق على مراحل مخططة بشكل واقعى بدلا من الإصلاح الشامل الذى يشبه العاصفة؟

لو كان الأمر كذلك,

2)     ما هو الحد الأدنى من الأولويات والأهداف التى تتطلبها مرحلة التحول, وكيف سيتم قياس نجاحها فى تحقيق الأهداف المخططة من عدمه؟
وهنا قد يمكننا القول بأن أولويتين أساسيتين تستحوذان على اهتمام المواطنين والعاملين بالقطاع الصحى خلال المرحلة الانتقالية:
أ‌)       القيادة\الإدارة\ الحوكمة ومكافحة الفساد
ب‌)   القوى العاملة بالقطاع الصحى

وسوف تحتاج هاتين الأولويتين إلى الدراسة والمزيد من التفصيل لضمان جدوى ونجاح إجراءات التنفيذ, إلى جانب وضع وزير الصحة قيد المساءلة العادلة والبناءة على مستوى الأداء خلال هذه المرحلة. ومن المتوقع أن يثمر التحسن الحاصل فى هذين النطاقين عن تحسن ملحوظ فى عملية تقديم الخدمات بالصورة التى تلقى قبول واستحسان الجموع العريضة من المواطنين.

ولنا حديث آخر...

هذا المقال سبق نشره باللغة الانجليزية في 25 نوفمبر 2011 علي الرابط التالي وقد قام بترجمته الاخ العزيز محمد دوبان وله جزيل الشكر علي المجهود الرائع.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقالات أخري