الغرض من هذه الصفحة هونشر المعلومات والمناقشة العلمية للمهتمين بالصحة العامة في مصر وصلتها بالتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية. وعند القيام بذلك، تلتزم هذه الصفحة أن تتخذ موقفا محايدا وتعرض وجهات النظر كافة على قدم المساواة. الاعمال المقدمة في هذه المدونة تم تقديمها بناء علي أراء عدة خبراء في مجالاتهم.

الجمعة، 19 سبتمبر، 2014

تأمين صحي للفلاحين، عدالة اجتماعية جزئية

لاشك ان مد مظلة التامين الصحي للفلاحين من خلال قانون تم إصداره بالامس يستهدف قضية العدالة الاجتماعية. وهو قرار سياسي و امتداد لمحاولات مستمرة لمد تغطية التامين الصحي لفئات جديدة علي نهج قانوني التامين الصحي للمرأة المعيلة وللأطفال دون الخامسة و يحتوي علي بعض مشاكلهم التي قد لا تؤدي الي تغطية فعالة اذا لم تعالج. وقد يكون القانون الجديد الأكثر تأثيرا منذ قرار التامين الصحي علي طلاب المدارس في عام ١٩٩٢. فهو استجابة حقيقة لمطالب فئة من الشعب محرومة من الحماية الاجتماعية والمالية التي يتمتع بها المؤمن عليهم في التأمين الصحي الحالي حتي ان كانوا غير راضين عن خدماته. ولقد تم اعداده في وقت قصير كسابقيه موضحا الدعم السياسي الذي استطاع هذا القانون ان يؤمنه علي عكس قانون التامين الصحي الحالي الذي مازال في مرحلة الإعداد منذ عام ٢٠٠٧. ومؤكدا علي مدي استجابة السياسيين لمد التغطية التأمينية للفئات المحرومة علي حساب المد الجغرافي محافظة بعد محافظة المقترح ضمنيا في إطار صياغة قانون التامين الصحي الاجتماعي. 
وقد يتعدي اثر هذا القانون ما استهدف منه. فقد يشكل تطبيق هذا القانون قوة دافعة لخطوات اصلاحية لزيادة كفاءة التامين الصحي الحالي نظرا لان منتفعي القانون الجديد سيكون لهم صوت مسموع في حالة عدم حصولهم علي خدمات مرضية و نظرا لقدرتهم علي الوصول لمتخذي القرار للشكوي مما قد يظهر من مشاكل تطبيقية. وقد يمكن هذا من حل هذه المشاكل و ان يؤدي الي تعميم تطبيقها علي القوانين التي تحتوي علي عيوب مماثلة وأهمها عدم وضوح مسؤلية والية الالتحاق enrollment وتجميع الاشتراكات. وقَد رأينا عند تطبيق قانون المرأة المعيلة عدم وضوح اعداد المستفيدين من النظام لغياب المسؤلية عن تعريف و تحديد المنتفعين وإلحاقهم في نظام التامين الصحي الخاص بهم. فهيئة التأمين الصحي تحصل علي تمويل مقابل عدد افتراضي من المشتركين وبدون اي مطالبة لإثبات ان الالتحاق تم فعليا وحصول الملتحق علي خدمة تأمينية. 
وبالرغم من ان القانون حدد وجوب الالتزام بإنشاء حساب خاص بالتأمين على الفلاحين في الهيئة العامة للتأمين الصحي علي ان يودع فيه حصيلة الموارد وعائد جميع الخدمات والاستثمارات الخاصة به، الا انه بذلك خالف المبدأ التأميني لتجميع المخاطر risk pooling الخاص بالتأمين الصحي الاجتماعي. و هذا لن يمنع هيئة التامين الصحي من إمكانية ان تدعم خدماتها التي تعاني من عجز من هذه الموارد طالما لم يتم الفصل داخل الهيئة بين إدارة هذا الحساب و مقدمي الخدمة وطالما لم ينص القانون علي توضيح كيفية المسائلة عن تكلفة الخدمة الصحية. وفي هذه الحالة سيكون المستفيدون من اي وفورات في هذا الحساب ان حدثت هم الفئة الأفضل دخلا نسبيا وهم العاملون في القطاع الرسمي. 
وبالرغم من بعض مشاكل القانون الفنية الا انه أرسي مجموعة من المبادئ التي قد تفيد قانون التامين الصحي الاجتماعي القادم سواء اتفقنا ام اختلفنا معها لأسباب فنية. فالقانون احتفظ بنفس حزمة الخدمات الصحية بدون تغيير للفلاحين مساوية لحزمة الخدمات المقدمة لمنتفعي التامين الصحي الحالي. كما حدد مساهمة الدولة بمبلغ ٢٠٠ جنيه عن كل منتفع سنويا ومسؤلية وزارة الزراعة عن الجزء الخاص من اشتراكات الفلاحين. كما حدد مساهمات واضحة وافترض انها موافق عليها من ممثلي الفلاحين لضرائب مخصصة للتأمين الصحي من انتاج السماد وحيازة الاراضي الزراعية. 
و تلخيصا، فالقانون تم صياغته في شكل نظام تأمين صحي مجتمعي خاص بالفلاحين مرتبط ومدعم بالدولة، وهذا هو افضل أشكال التامين الصحي المجتمعي بالرغم من مشاكله الخاصة. وهو نظام مبني علي نظام الالحاق الجماعي group enrollment وهو الانسب لإلحاق العاملين في القطاع الغير رسمي. كل هذا علي ان يدمج هذا النظام في نظام التامين الصحي الاجتماعي عند صدوره. وقد أقر هذا القانون بعض الحلول الجزئية لمشاكل التمويل و التي ترتب عليها حقوق للفلاحين يجب اخذها في الاعتبار عند اعداد القانون التامين الصحي الاجتماعي. وهو يؤكد قبول الدولة لمبدأ تغطية التامين الصحي فئويا وليس جغرافيا مما قد يطرح عمليا إمكانية مد مظلة التامين الصحي لفئات جديدة مهمة ومهمشة مثل عائلات العاملين في القطاع الرسمي و الفقراء. وهو فرصة لبدء برنامج اصلاحي لهيئة التامين الصحي الحالية بدلا من الانتظار لحين انشاء هيئة جديدة واستكمالها لتشكيل مؤسستها وقدراتها الإدارية نظرا لان هذه الهيئة أصبحت الاقوي بإصدار هذا القانون. كما هو فرصة لاصلاح عيوب القوانين السابقة لمد التغطية التأمينية فئويا وجعلها اكثر فاعلية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقالات أخري